ابن كثير

164

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فعطف الإقفار على الإقواء وهو هو . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 54 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 54 ) هذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل . قال الحسن البصري رحمه اللّه في قوله تعالى : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فقال : ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع حتى قال تعالى : وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا [ الأعراف : 149 ] . قال : فذلك حين يقول موسى يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ وقال أبو العالية وسعيد بن جبير والربيع بن أنس فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ أي إلى خالقكم ، قلت : وفي قوله هاهنا إِلى بارِئِكُمْ تنبيه على عظم جرمهم ، أي فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره . وقد روى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث يزيد بن هارون عن الأصبغ بن زيد الوراق عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : فقال اللّه تعالى : إن توبتهم أن يقتل كل واحد منهم من لقي من والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن ، فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع اللّه على ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا به فغفر اللّه للقاتل والمقتول . وهذا قطعة من حديث الفتون وسيأتي في سورة طه بكماله إن شاء اللّه . وقال ابن جرير : حدثني عبد الكريم بن الهيثم حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان بن عيينة قال : قال أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : قال موسى لقومه : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ ، فَتابَ عَلَيْكُمْ ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قال : أمر موسى قومه عن أمر ربه عز وجل أن يقتلوا أنفسهم ، قال : فاحتبى « 1 » الذين عبدوا العجل فجلسوا وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلمة شديدة ، فجعل يقتل بعضهم بعضا ، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل ، كل من قتل منهم كانت له توبة ، وكل من بقي كانت له توبة . وقال ابن جرير : أخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهدا يقولان في قوله تعالى فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ قالا : قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضا ، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد حتى ألوى « 2 » موسى بثوبه فطرحوا

--> ( 1 ) في الأصل : « فأخبر » وما أثبتناه عن الطبري 1 / 325 . واحتبى : جلس على أليتيه وضمّ فخذيه وساقيه إلى بطنه بذراعيه ليستند . ( 2 ) أي أشار .